ابن المقفع

289

آثار ابن المقفع

لا يعرفنك الولاة بالهوى في بلدة من البلدان ولا قبيلة من القبائل فيوشك أن تحتاج فيها إلى حكاية أو مشاهدة فتتهم في ذلك ، وإذا أردت أن يقبل قولك فصحح رأيك ولا تشوبنه بشيء من الهوى فإن الرأي يقبله منك العدو ، والهوى يرده عليك الوليّ وأحق من احترست من أن يظن بك خلط الرأي بالهوى الولاة . . فإنها خديعة وخيانة وكفر . إن ابتليت بصحبة وال لا يريد صلاح رعية فاعلم انك قد خيرت بين خلتين ليس بينهما خيار : أما ميلك مع الوالي على الرعية وهذا هلاك الدين ، وأما الميل مع الرعية على الوالي وهذا هلاك الدنيا ولا حيلة لك إلا بالموت أو الهرب . واعلم أنه لا ينبغي لك وان كان الوالي غير مرضي السيرة إذا علقت حبالك بحبله إلا المحافظة عليه إلى أن تجد إلى الفراق الجميل سبيلا . . . تبصر ما في الوالي من الاخلاق التي تحب والتي تكره ، وما هو عليه من الرأي الذي يرضى له والذي لا يرضى ، ثم لا تكابره بالتحويل له عما يحب ويكره إلى ما تحب وتكره ، فان هذه رياضة صعبة تحمل على التنائي والقلى . . . . اعلم أنك قلما تقدر على رد رجل عن طريقته التي هو عليها بالمكابرة والمناقضة ، وان لم يجمح عن السلطة ولكنك تقدر أن تعينه على أحسن رأيه وتسبب له منه وتقويه فيه ، فإذا قويت منه المحاسن كانت هي التي تكفه عن المساوىء ، وإذا استحكمت منه ناحية من الصواب كان ذلك هو الذي يبصره الخطأ بألطف من تبصيرك واعدل من حكمك في نفسه ، فان الصواب يريد بعضه بعضا ويدعو بعضه إلى بعض ، فإذا كانت له مكانة اقتلع الخطأ فاحفظ هذا الباب واحكمه . ولا يكونن طلبك ما عند الوالي بالمسألة ولا تستبطئه وان ابطأ ، ولكن اطلب ما قبله بالاستحقاق له آثار ابن المقفع « 19 »